صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
381
حركة الإصلاح الشيعي
فقد تعثر أيضا في المسائل التاريخية . وذلك أن السنّة والشيعة كانوا قد أرسوا نظرتين مختلفتين ، لا بل متناقضتين للتاريخ ، أدتا إلى أحكام قاطعة ، من الجانبين ، على الأحداث والأشخاص . وكان لبّ المناظرة قائما ، بالطبع ، على فترة تكوّن الإسلام ، وهي منبع الخلافات الذي ما انفك يرفد الجدل التقليدي بين علماء السنّة وعلماء الشيعة . وكان كل فريق يدافع عن رجاله ، ويضعهم في المرتبة الأولى ، وينكر أخصامهم ، ويحلل الأحداث الكبرى بمقاييسه الخاصة به « 208 » . في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين ، كانت العلاقات بين الفرقتين متشنجة ، بعد أن هدم الوهابيّون قبور الأئمة في المدينة . وقد شهد الشيعة انبعاث الجدل القديم ، من جهة ، وانبثاق نهج جديد في كلام السنّة عن التاريخ ، صادر عن بعض الأدباء الذين تأثروا بالغ الأثر بما قرأوا من كتابات المستشرقين ، من جهة أخرى . من هؤلاء الأدباء محمد كرد علي في دمشق ، وأحمد أمين في القاهرة . فقد أربكت طريقتهما في معالجة التاريخ ، وهي منسوخة عن المناهج النقدية لدى الكتّاب الأوروپيين ، علماء الشيعة . قبل ذلك ، في سنة 1924 ، قام جدل بين أديب التقي البغدادي ، وهو أديب من شيعة دمشق ، ومحمد كرد علي ، حول نقد هذا الأخير كتب التاريخ المدرسية التي ألفها الأول . وقد دار النقاش بخاصة ، حول نظرتين متناقضتين إلى بعض الحقبات التاريخية . وقد اتخذ الكاتب الشيعي ، من جهة ، جانب الموقف الشيعي في مواجهة الموقف السنيّ ( ومثال ذلك مقتل الإمام الرضا ، ومساهمة الإمام جعفر الصادق في الفقه ، ودور يزيد بن معاوية في مقتل الحسين ) ، ومن جهة ثانية ، الموقف الإسلامي في مواجهة الموقف الاستشراقي ( إذ يأخذ على محمد كرد علي نفيه لقاء النبي بالراهب بحيرا ) « 210 » . ثم جاء دور الشاعر العاملي محمد علي الحوماني في الرد على خطط الشام ، وقد اتبع محمد كرد علي فيها منهجا حديثا في التاريخ ، وفي نقد ما كتب عن معاوية وعن الأمويين « 211 » . والحق أن رئيس المجمع العلمي العربي كان قد باشر حملة لإعادة الاعتبار إلى ملوك بني أمية لدى الجمهور السنيّ الذي لم يجمع ، مع ذلك ، على الاقتناع بمحاولته . وعلى كل حال ، فإن محاولته ولّدت أزمة حقيقية بين كرد علي وبعض الكتّاب العامليين الشيعة سنة 1928 ، تشبه الأزمة التي أحدثتها قضية النصولي قبل ذلك بعام في العراق . ولم ير الشيعة في هذا المنهج التاريخي الجديد إلّا وسيلة جديدة
--> ( 208 ) . أنظر ethcihcseG ehcsimalsI dnu noitaN ehcsibarA : ednE renreW ( 209 ) . يتعلق الأمر بكتابي سير التاريخ الإسلامي ، والتاريخ العام ، وقد انتقدهما محمد كرد علي في مجلة المجمع العلمي العربي ، ورد عليه أديب التقي في العرفان . ( 210 ) . العرفان ، المجلد 9 ، العدد 6 ، ص 555 - 560 ( آذار ، 1924 ) . ( 211 ) . العرفان ، المجلد 11 ، العدد الأول ، ص 65 - 67 ، والعدد الثاني ص 193 - 198 ( أيلول وتشرين الأول ، 1925 ) .